أحمد بن يحيى العمري
321
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
ودخل الشام ، واستوطن خارج مصر في جامع راشدة . « 1 » وكان لا يقبل لأحد شيئا ، ولا يرتزق على الإقراء ، واتفق بمصر مجاعة شديدة ، فمشى إليه أجلّاء المصريين وسألوه قبول شيء فامتنع ، فأجمعوا رأيهم أن يخطب أحدهم البنت التي له ، وكان يعرف بالفضل بن يحي الطويل ، وكان عدلا بزازا « 2 » في القاهرة ، فتزوجها ، وسأل أن تكون أمها عندها ، فأذن في ذلك « 3 » ، وكان قصدهم تخفيف العائلة عنه ، وبقي منفردا ينسخ ويأكل من نسخه . [ وكان يعرض عليه المال فلا يقبل منه شيئا ؛ قيل : جاء بعض التجار بمئزر أسود صوف وحلف عليه به ، فقال : اجعله على ذلك الوتد ، فأقام ثلاثين سنة موضعه ] . « 4 » وتوفي في أواخر المحرّم سنة ستين وخمسمائة بمصر ، ودفن في القرافة الصغرى ، وقبره يزار بها . قال ابن خلّكان « 5 » : " وزرته ليلا فوجدت عنده أنسا كثيرا " ، رحمه الله تعالى . وكان - رحمه الله تعالى - يقول : " أدرجت سعادة الإسلام في أكفان عمر بن الخطاب رضي الله عنه " « 6 » ، أشار إلى أن الإسلام لم يزل في أيامه في نمو وازدياد ، وشرع بعده في التضعضع والاضطراب . وذكر في كتاب " الدول المنقطعة " « 7 » في ترجمة أبي الميمون عبد المجيد صاحب مصر : أن
--> ( 1 ) قال الذهبي في السير : " وقد دخل الشام وزار ، وسكن مصر ، وتزوّج ، وكان يعيش من الوراقة ، وعلّم زوجته وبنته الكتابة ، فكتبتا مثله ، فكان يأخذ الكتاب ويقسمه بينه وبينهما ، فينسخ كل منهما طائفة من الكتاب ، فلا يفرّق بين الخطوط إلا في شيء نادر ، وكان مقيما بجامع راشدة خارج الفسطاط ، ولأهل مصر حتى أمرائها العبيدية فيه اعتقاد كبير ، كان لا يقبل من أحد شيئا ، مع العلم والعمل والخوف والإخلاص " . وانظر : إنباه الرواة 1 / 39 ، والوافي 7 / 121 - 122 . ( 2 ) قال في القاموس : " البزّ : الثياب ، أو متاع البيت من الثياب نحوها ، وبائعه : البزاز ، وحرفته البزازة " . انظر : القاموس المحيط مادة بزّ . ( 3 ) وفيات الأعيان 1 / 170 ، وإنباه الرواة 1 / 39 ، والوافي 7 / 122 . ( 4 ) ما بين المعقوفتين ساقط من النسخة الأصلية استكمل من " وفيات الأعيان " 1 / 170 . ( 5 ) وفيات الأعيان 1 / 171 . ( 6 ) وفي سير أعلام النبلاء 20 / 347 : " طويت سعادة المسلمين في أكفان عمر " . ( 7 ) كتاب من تأليف ابن ظافر الأزدي المتوفى سنة 623 هجرية ، قال حاجي خليفة : يقع في نحو أربع مجلدات " كشف الظنون 1 / 762 " .